• وديع منصور
دعه ينهب.. دعه يمر
الأحد 17 ابريل 2022 الساعة 00:29
وديع منصور
أحد الأسئلة المهمة التي  تطرح اليوم : هل الحكام الجدد  للشرعية سيحاربون الفساد ، ويتصدون لاساءة استخدام السلطة ، بنفس القدر الذي يدعون فيه لوحدة الكلمة ،  ورص الصفوف ؟
الواضح أن مهمة الثمانية هي وضع حد للحرب ، هذا هو المطلوب  منهم ،  اما رص الصفوف واما الى ذلك من عبارات فانها فقط لاصباغ اهمية على المهمة الجديدة ، والكل يعرف أن ذهاب اليمنيين الى الفضاء أسهل من توحيد كلمتهم وصفوفهم .نهب المال العام ، واساءة استخدام السلطة  لن تكون  من الاولويات خلال المرحلة المقبلة ، وعلى الارجح سيتم تفادي التسبب بصدمة لمنظومة الفساد الكبيرة  التي تتحدى الجميع .
 
لماذا  الأداء الحكومي في اليمن  يتسم بالضعف دائما ،  ولماذا كل الحكومات  تتشابه  تقريبا حين يتعلق  الامر بإساءة استخدام السلطة ، الاجابة سهلة  .. لان  شبكات الفساد والمحسوبيه هي التي تدير فعليا  الشؤون العامة للبلاد ،  وبتواطئ  من أشخاص في أجهزة الدولة . 
 
في مطلع هذا العام قالت الحكومة أنها عازمة على المضي قدما  في مكافحة الفساد ! لكن الكل يعرف ان مثل هذه التصريحات هي مجرد تصريحات  ، لان الفاسدين اما موجودين في الحكومة ذاتها او على علاقة بها بشكل او باخر .  يزدادون قوة ونفوذ  تحت بصر وسمع الحكومة .  والكل  يعرف بان الكل تقريبا متورط بالفساد  بشكل  او بأخر . ومثلما كان في زمن نظام صالح ، ما يزال نهب المال العام  يدار بنفس القواعد التي كانت سائدة قبل الحرب . والقاعدة الذهبية  دائما هي دعه ينهب دعه يمر .
لطالما كان إستغلال المناصب من اجل المنفعة الشخصية  أمرا  متجذراً في اليمن . اليمن الشمالي قبل الوحدة  . وأصبح بعد ذلك منتشرا  وأشبه  بالوباء بعد الوحدة ،  والجنوبيون اليوم ليسوا أقل تورطا بالفساد من الشماليين ، بل وربما في بعض الاحيان اكثر سوءا .
 
قيل إن تنظيف اي مجتمع من  الفساد  يشبه تماما  تنظيف الدرج من الاوساخ ، يبدأ من الاعلى نزولا للاسفل . 
هذا النوع من  التنظيف مستحيل طبعا في اليمن الخاضع لسلطة الانقلابيين  ، لكن  حدوثه في المناطق التي تحررت  منهم ، يشبه المعجزة ايضا .  وعلى الارجح ستبقى لوقت غير قصير  في كل اليمن  معادلة دعه ينهب دعه يمر  .  
 
في عام 2009 تم تشكيل الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة . وفي عام  2006 ، اي قبل سنوات غير قليلة من اندلاع الحرب تم إنشاء الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد .. لكن في ضل العجز الكبير للسلطتين التشريعية والقضائية ، فأن دور هذه الجهات  في التصدي  للفساد ونهب المال العام  .. يبعث على السخرية أكثر مايبعث على الأمل .
 
تعرف منظمة الشفافية الدولية الفساد  بانه إساءة إستخدام السلطة المؤتمنة من اجل المصالح الشخصية  .  إساءة السلطة المؤتمنة ليست مجرد ظاهرة في اليمن  ولكنها  ثقافة راسخة  لها أباء مؤسسون ، وموطن ولادة  . وشكلت هذه الثقافة  سببا كافيا لان توضع اليمن  لسنوات غير قليلة ، وعلى التوالي ، ضمن ترتيب الدول الاكثر فسادا في العالم . 
خلال السنوات الماضية  مثل اقتصاد الحرب في اليمن رافعة جديدة للفساد ونهب المال العام  ، ومثل  تحدياً لكل محاولات بناء السلام في اليمن . 
لقد أتاحت  سنوات الحرب الفرصة  لانظمام لصوص صغار جدد اكثر تحمسا وانانية   ، الى جانب  اللصوص التقليديين  .  وما تزال آليات الفساد التي تأسست في عهد نظام صالح  على حالها ، ولوقت ليس بالقصير شكلت  تدفقات الأسلحة، وعمليات المناقصات ،  والجبايات ، وإعانات الوقود، وبيانات الرواتب العسكرية المزورة ، واموال مقدمة من مانحين ، وسياسات  الابتزاز  ، شكلت  كل هذه الوسائل وغيرها مصدر إثراء كبير للقلة على حساب الكثرة .
 
في احد تقارير البنك الدولي الذي صدر خلال السنوات الماضية ، عن الاموال المقدمة من مؤتمرات المانحين لليمن ، جاء في إحدى الفقرات التالي : كل مئة دولار تدخل الى اليمن من المانحين تذهب نحو ستين في المئة منها  لفاسدين كبار ، اما الاربعين في المئة  المتبقية ، فان عشرين في المئة منها توزع على فاسدين صغار  من اجل ضمان ولائهم  ، والعشرين في المئة  الاخيرة يتم فيها إفتتاح مشاريع لا ترى النور غالبا  .
 
ماهو الفرق بين من يتهم بالشروع بالقتل ، وبين من ينهب المال العام في بلد يموت فيه طفل كل عشر دقائق من سوء التغذية . الجواب هو ... لا فرق .
 
الفساد  واستخدام السلطة لتحقيق المنافع الشخصية  ليس مقتصرا على اليمن ، بل انه منتشر  في كثير من  دول العالم بدرجات مختلفة . يتسأل اليمنيون  بحسرة ما الذي جعل جيرانهم يحققون هذا التطور السريع في البنى التحتية وازدهار المدن ، والرفاه . هل هذه الدول تخلو تماما من الفساد ؟  والحقيقة هي أن هذه الدول تحارب الفساد فعليا من خلال  تفعيل القوانين الرادعة   وبوجود قضاء نزيه وقوي ، بالاضافة لهيبة الدولة ، كل ذلك  وقف عائقا أمام أزدهار الفساد وتشعبه . اما في اليمن فكل هذه الامور ماتزال  غائبة . ويوما ما ستكون حاضرة . لكن بعد أن يتم وقف التعامل مع قاعدة دعه ينهب ، دعه يمر .
إضافة تعليق
الأسم*
الموضوع*
نص التعليق*